إبريق بلاكاس

من الموصل، شمال العراق، 629هـ/1232م

إبريق مزخرف بمشاهد من بلاط الحاكم

يعدّ هذا الإبريق النادر مثالاً رفيعاً على فنون تطعيم النحاس في القرون الوسطى.

وقد نقش على الإبريق اسم صانعه، شجاع بن منعة الموصلي. وكان صناع المعادن الموصليون قد اشتهروا بتطعيم النحاس بالفضة والنحاس الأصفر، لصياغة مشاهد تفصيلية تمثل حياة الصفوة في بلاط الحكم، وأنتجوا نفائس فنية باهرة حظيت بإقبال شديد من أثرياء زمانهم، الذين قدموا الكثير منها إلى حكام البلدان المجاورة كهدايا دبلوماسية يفاخرون بها.

ويغطي  بدن وعنق هذا الإبريق زخرفة دقيقة فائقة الرفعة، في تشكيلة من المشاهد التي تصوِّر مجريات الحياة في بلاط المُلك، مع ضم كل مشهد داخل إطار زخرفي بشكل ميدالية دائرية على خلفية من النقوش الهندسية. وتتناوب صفوف الميداليات مع أشرطة مليئة أيضاً بالنقوش الهندسية وصور الناس والحيوانات.

ونرى في الزخارف صور لرجال يرتدون ستر مستقيمة الأكمام، وأمراء تميزهم الأكمام المزركشة بأشرطة مطرزة، أما الجنود فيحملون السيوف المستقيمة والأبازيم الدائرية. كما نرى صور لامرأتين من علية القوم: واحدة تطل على محياها في المرآة ومعها وصيفتها، وأخرى تركب الجمل ومعها خادمة. كما نرى صورة أخرى لعازفة عود وقد غطى الحجاب النصف السفلي من وجهها.

وفي ميداليات أخرى نرى مشهد قنص، حيث يرمي الفارس طريدته بسهم، ومشهد آخر لرجل يحمل فهداً خلفه على سرج الفرس، وصور لأشخاص في حفل يعزفون الموسيقى ويحتسون الشراب ويرقصون.

ويضم الإبريق كذلك مشهداً من قصيدة ملحمية فارسية شهيرة اسمها الشاهنامة (كتاب الملوك)، حيث يصوّر بهرام غور في رحلة قنص برفقة أزاد، موسيقاره المفضل.

ونظراً لجودة الزخرفة الفائقة، وتركيز المشاهد على حياة بلاط الحكم، فإن الإبريق كان على الأرجح مخصصاً للاستعمال في قصور الأمراء، وربما صُنع لحساب بدر الدين لؤلؤ، الذي حكم الموصل (629-59 هـ/1232-1259م)، أو فرد من حاشيته. وتكشف لنا القطع الفنية الأخرى التي تحمل اسم بدر الدين لؤلؤ أنه اعتاد الإيعاز بصنع المشغولات المعدنية النفيسة.

وفي حين أن الأساليب الحرفية لتطعيم المشغولات المعدنية نشأت في إيران، فإن صنّاع الموصل ابتكروا أشكالاً جديدة لمنتجاتهم، بوحي على الأرجح من الأنماط التي كانت سائدة في أراضي الإمبراطورية البيزنطية. وفي كتاب الجغرافيا لابن سعيد المغربي، وهو مسلم إسباني جاب أرجاء الشام والعراق في 648هـ/1250 م، يصف المؤلف الأوعية النحاسية المطعمة التي أنتجتها الموصل ويقول إن المدينة "فيها صنائع جمة، لا سيما أواني النحاس المطعم يحمل منها للملوك" (أي تُقدَّم هدايا إلى الملوك).

ويذكر أن هذا الإبريق صار يعرف باسم "إبريق بلاكاس" نسبة إلى الدوق بلاكاس الفرنسي الذي انتقلت مجموعة تحفه النفيسة إلى ملكية المتحف البريطاني في عام 1866م.

 المتحف في لندن