تاريخ المتحف البريطاني

تأسس المتحف البريطاني في عام 1753، وهو أول متحف وطني في العالم يسمح بدخول عامة الجمهور. ومنذ أول يوم، فتح المتحف أبوابه "لجميع الأشخاص المدفوعين بالفضول والمُكدِّين في طلب العلم". وتزايدت أعداد الزائرين من حوالي 5 آلاف في السنة إبان القرن الثامن عشر إلى ما يناهز 6 مليون زائر سنوياً حالياً.


القرن الثامن عشر: جذور المتحف البريطاني

تكمن جذور المتحف البريطاني في التركة التي ورثها عن السير/ هانز سلون (1660-1753)، الذي كان طبيباً وعالم طبيعة وجامعاً للنفائس والعجائب.

وقد حشد هانز سلون في حياته ما يفوق 71 ألف قطعة متحفية، وأراد أن تحفظ بعد مماته، فأوصى بإهداء كامل مجموعته إلى الملك جورج الثاني، باسم الأمة البريطانية، مقابل مبلغ 20 ألف جنيه إسترليني يسدد إلى ورثته.

وقد تم قبول هذه الهبة السخية، وأصدر البرلمان بتاريخ 7 يونيو 1753 قانون تأسيس المتحف البريطاني.

تكونت معظم مجموعات المتحف الأساسية من الكتب والمخطوطات والعيّنات الطبيعية، مع بعض الآثار (بما في ذلك النقود والميداليات والمطبوعات والرسومات) والقطع والمواد الإثنوغرافية. وفي عام 1757، تبرع الملك جورج الثاني بالمكتبة الملكية العريقة التي جمعها ملوك انجلترا عبر القرون، إضافة إلى منح المتحف امتياز حكري باستلام حقوق الطبع والنشر.

افتتح المتحف البريطاني أمام عامة الجمهور يوم 15 يناير 1759، في مقره الأصلي في قصر شُيِّد في القرن السابع عشر، ويسمى مونتغيو هاوس، بحي بلومزبري اللندني، في الموقع نفسه الذي يقوم عليه المتحف اليوم. وكان الدخول مجاناً "لجميع الأشخاص المدفوعين بالفضول والمُكدِّين في طلب العلم".

باستثناء فترة الحربين العالميتين، ظل المتحف يفتح أبوابه يومياً منذ أول يوم، مع زيادة تدريجية في ساعات العمل، وارتفاع متواصل في عدد الزوار، ليصل من 5 آلاف شخص سنوياً إلى 6 ملايين زائر في العام حالياً.

درج سلم المتحف البريطاني القديم في قصر مونتغيو هاوس، وتظهر في الصورة بعض تماثيل الحيوانات المحشوة، وهي ثلاثة زرافات ووحيد القرن.


القرن التاسع عشر: التوسع والاكتشاف

شهدت باكورة القرن التاسع عشر عدداً من عمليات الشراء والاستحواذ الشهيرة لمعروضات جديدة، منها حجر رشيد (1802)، ومجموعة تاونلي للنحت الكلاسيكي (1805)، ومنحوتات البارثينون (1816).

وفي عام 1823 أدى قيام الملك جورج الرابع بمنح مكتبة والده (مكتبة الملك) إلى الأمة البريطانية، إلى تشييد مبنى المتحف الأصلي الذي نراه اليوم، حيث أشرف على تصميمه المعماري البريطاني السير/ روبرت سميرك (1780-1867).

وبحلول عام 1857، كان البناؤون قد أنجزوا تشييد المبنى الراهن ذو الأضلاع الأربعة، وقاعة القراءة الدائريّة.

وبعد ذلك، وبغرض توفير مساحات أكبر لحفظ مقتنيات المتحف المتزايدة، تم نقل مجموعات التاريخ الطبيعي إلى مبنى جديد في حي ساوث كنسينغتون اللندني، إبان ثمانينات القرن 19، ليصبح فيما بعد متحف التاريخ الطبيعي الشهير.

وقد شارك المتحف البريطاني في حفريات كثيرة حول العالم، فكانت مجموعات مقتنياته الآشورية الأساس لفهم اللغة المسمارية القديمة وفك رموزها (وهي من كتابات الشرق الأوسط القديم). وبالمثل، كان حجر رشيد المفتاح الذي أسفر عن فضّ حُجُب الكتابة الهيروغليفية المصرية (وهي كتابة قامت على الرموز).

ومن أهم الشخصيات التي أثّرت على مسيرة المتحف، السير/ أوغسطس ولاستون فرانكس (1826-1897)، إذ عُيّن في المتحف عام 1851 وصار أول شخص يتولى المسؤولية عن المقتنيات الأثرية البريطانية ونفائس القرون الوسطى.

وباشر فرانكس بتوسيع المجموعة في اتجاهات جديدة، فتجاوز حدود بريطانيا وحقبة العصور الوسطى، ليجمع القطع الأثرية من عصور ما قبل التاريخ، والمقتنيات الإثنوغرافية التراثية والأثرية من مختلف أرجاء أوروبا وخارجها، فضلاً عن مختلف الفنون والمواد من بلاد الشرق.

وقد زادت أعداد الزوار بشكل كبير خلال القرن التاسع عشر، واجتذب المتحف حشود الزائرين من جميع الأعمار والطبقات الاجتماعية، ولا سيما في أيام العطلات الرسمية.

وإلى جانب الدراسات الأكاديمية، اهتم أمناء المتحف عبر السنين بتعزيز جاذبية المتحف وتوسيع دوره، من خلال إلقاء المحاضرات، وتحسين المعارض، وتأليف الأدلة المطبوعة التي يسترشد بها عامة الزوار غير المتخصصين.

جورج شارف الأول، 1845، ألوان مائية


القرن العشرون: تقديم الخدمات العامة

شهد القرن العشرون توسعاً كبيراً في الخدمات العامة التي يقدمها المتحف، فتم نشر أول دليل موجز للمتحف في عام 1903، وتعيين أول المرشدين في عام 1911.

وبحلول سبعينات القرن العشرين، أطلق المتحف برنامجاً منظماً لتجديد قاعات العرض، وأسس خدمة تعليمية جديدة وداراً للنشر، كما نفّذ عدة مشاريع إنشائية لتوفير المرافق العامة الإضافية للجمهور، ومنها قاعة دوفين، التي شيّدت لإيواء منحوتات البارثينون (1939-1962).

وفي عام 1973، أصبحت المكتبة جزءاً من مؤسسة جديدة أطلق عليها اسم المكتبة البريطانية، وظلت هذه المؤسسة قائمة في حرم المتحف إلى أن افتتح مبناها الجديد عام 1997 في حي سانت بانكراس، ونُقلت إليه كتب المكتبة.

أما أحدث عملية توسيع للمتحف فكانت تشييد فناء الملكة إليزابيث الثانية الكبير الذي شيّد في موقع المكتبة السابق، ويعدّ أكبر مساحة عامة مغطاة في أوروبا، إذ تصل مساحته إلى فدانين، وفي وسطه قاعة القراءة التي تم ترميمها، بينما شيّد حول القاعة وتحتها عدد من المرافق الجديدة، منها قاعات عرض ومركز تعليمي.

وفي عام 2003، احتفل المتحف بعيده السنوي رقم 250 بتنفيذ مشروع تحديث وتجديد مكتبة الملك، وهي أقدم قاعة في المتحف، كما قام بتدشين معرض دائم جديد تحت عنوان "عصر التنوير: اكتشاف العالم في القرن الثامن عشر".

فناء الملكة إليزابيث الثانية الكبير


القرن الحادي والعشرون: تاريخ المتحف المعاصر

يواصل المتحف في أوائل القرن الحادي والعشرين توسيع مرافقه العامة، مع افتتاح أربعة معارض دائمة جديدة في عامي 2008 و2009، وهي:

  • معرض السيراميك الصيني
  • معرض الساعات
  • معرض أوروبا 1050-1540م
  • معرض مقبرة-مصلى نب آمون: الحياة والموت في مصر القديمة

واليوم، يتطلع المتحف إلى تنفيذ مشروع جديد ضمن سلسلة مشاريعه الإنشائية الضخمة، وهو مشروع المركز العالمي للمعارض وحفظ الآثار، والذي سيشتمل على مساحة جديدة للمعارض المؤقتة.

ويذكر من معالم مسيرة المتحف المعاصرة حصوله في عام 2009 على "شهادة صندوق الكربون" تقديراً لجهوده في الحد من انبعاثات غازات الكربون.

الصور، من أعلى:

  • درج سلم المتحف البريطاني القديم في قصر مونتغيو هاوس، وتظهر في الصورة بعض تماثيل الحيوانات المحشوة، وهي ثلاثة زرافات ووحيد القرن (لوحة ألوان مائية بريشة جورج شارف الأول، 1845).
  • تمثال نصفى للمعماري السير/ روبرت سميرك.
  • فناء الملكة إليزابيث الثانية الكبير.
  • نب آمون يصطاد في المستنقعات، لوحة جدارية من مقبرة-مصلى نب آمون، حوالي 1350 ق.م.

نب آمون يصطاد في المستنقعات، لوحة جدارية من مقبرة-مصلى نب آمون، حوالي 1350 ق.م.